العلامة المجلسي
305
بحار الأنوار
عمل السحر فازداد تعجب الملائكة ، فأراد الله تعالى أن يبتلي الملائكة فقال لهم : اختاروا ملكين من أعظم الملائكة علما وزهدا وديانة لانزالهما إلى الأرض ، فأختبرهما فاختاروا هاروت وماروت ، وركب فيهما شهوة الانس وأنزلهما ونهاهما عن الشرك والقتل والزنا والشرب ، فنزلا فذهب إليهما امرأة من أحسن النساء وهي الزهرة فراوداها عن نفسها فأبت إلا بعد أن يعبدا الصنم وإلا بعد أن يشربا ، فامتنعا أولا ثم غلبت الشهوة عليهما ، فأطاعا في كل ذلك ، فعند إقدامهما على الشرب وعبادة الصنم دخل سائل عليهم فقالت : إن أظهر هذا السائل للناس ما رأى منا فسد أمرنا فإن أردتما الوصول إلي فاقتلا هذا الرجل ، فامتنعا منه ، ثم اشتغلا بقتله ، فلما فرغا من القتل طلبا المرأة فلم يجداها . ثم إن الملكين عند ذلك ندما وتحسرا وتضرعا إلى الله تعالى فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا ، وهما معذبات ببابل ، معلقان بين السماء والأرض يعلمان الناس السحر . ثم لهم في الزهرة قولان : أحدهما أن الله تعالى لما ابتلى الملكين بشهوة بني آدم أمر الله الكوكب الذي يقال له " الزهرة " وفلكها حتى هبط إلى الأرض إلى أن كان ما كان ، فحينئذ ارتفعت الزهرة وفلكها إلى موضعها من السماء موبخين لهما على ما شاهداه منهما . والقول الثاني أن المرأة كانت فاجرة من أهل الأرض وواقعاها بعد شرب الخمر وقتل النفس وعبادة الصنم ، ثم علماها الاسم الذي به كانا يعرجان إلى السماء ، فتكلمت به وعرجت إلى السماء ، وكان اسمها " بيدخت " فمسخها الله تعالى وجعلها هي الزهرة . واعلم أن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة ، لأنه ليس في كتاب الله ما يدل عليها ، بل فيه ما يبطلها من وجوه : الأول ما تقدم من الدلائل الدالة على عصمة الملائكة عن كل المعاصي . وثانيها : أن قولهم إنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاسد ، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة والعذاب ، لان الله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره فكيف يبخل عليهما بذلك . وثالثها : أن من أعجب الأمور قولهم إنهما يعلمان الناس السحر في حال كونهما معذبين ويدعوان